بالأمس، وأمام مئة وستة من أعضاء الجمعية العمومية، أعلن الأستاذ إبراهيم يسرى استقالته من رئاسة مجلس الإدارة. نكتب هذه الكلمات نحن، الهيكل الإداري للجمعية، شهادةً من قلب العمل اليومي لرجلٍ جاء بعد عقود طويلة ليرتّب ما تراكم، ويضع الجمعية على طريق الحل.
بالأمس، في قاعة اجتمع فيها مئة وستة من أعضاء جمعيتنا، وقف رجلٌ يحمل أوراقه وقرابة عام ونصف من العمل المتواصل، ليعرض على أصحاب الحق ما أنجز وما ورث. لكن ما حدث في تلك القاعة من تجاوزٍ كان أثقل من أن يُحتمل، فخرج الأستاذ إبراهيم يسرى، رئيس مجلس الإدارة، معلنًا استقالته.
ونحن، العاملين في الهيكل الإداري للجمعية، الذين عشنا معه تفاصيل كل يوم منذ مايو 2025، لا نملك أمام هذا المشهد إلا أن نقول كلمتنا. لا مجاملةً لرئيس، فقد غادر المنصب، ولكن وفاءً لحقيقة رأيناها بأعيننا، ونخشى أن تضيع وسط الضجيج.
حكاية خمسين عامًا
وُلدت جمعيتنا منذ أكثر من خمسين عامًا حلمًا كبيرًا، وكانت في بداياتها قصة نجاح يرويها المؤسسون بفخر. ثم مرّت عليها سنوات طويلة ثقيلة، تراكمت فيها الملفات فوق الملفات، وتأجلت فيها الحلول عامًا بعد عام، حتى صار كثير من الأعضاء ينتظرون حقوقًا لا يعرفون متى تصل.
وفي 2025 جاء رجلٌ قرر ألا يؤجل. فتح الملفات المغلقة واحدًا تلو الآخر، ورتّب ما تبعثر، ووضع يده على المشكلات القديمة في مشروعات عديدة، وشرع في حلها بصبرٍ وإصرار.
ما رأيناه بأعيننا
نحن لم نسمع عن إبراهيم يسرى.. نحن عملنا معه. ونشهد:
- أنه آمن بأن حق العضو يبدأ بالمعلومة: فدعم بناء منصة رقمية للجمعية، تُنشر عليها الأخبار والقرارات والمشروعات أمام الجميع.
- أنه أصرّ على حفظ الحقوق بالتوثيق: فبيانات الأعضاء والمشروعات والوحدات وتسلسل ملكيتها، بعد أن ظلت متفرقة لسنوات، جُمعت في نظام واحد منضبط، حتى لا يضيع حق عضو بسبب ورقة مفقودة.
- أنه أراد لكل قرار أن يكون موثّقًا ولكل جنيه أن يكون معلومًا: فدعم أرشفة مستندات الجمعية وتنظيم حساباتها وإجراءاتها.
- أنه حرص على انتخابات شفافة: فأتاح للأعضاء وسائل حديثة للمشاركة، وسلّم عملية انتخابية نزيهة بكل أمانة.
- أنه لم يتهرب يومًا من مسؤولية، ولم يغلق بابه في وجه عضو صاحب شكوى.
الاختلاف حق.. والتجاوز ليس طريقًا
من حق كل عضو أن يسأل ويراجع ويحاسب، فالجمعية العمومية هي صاحبة السلطة العليا، وهذا ما نعتز به ونحرص عليه. لكن الحوار شيء والتجاوز شيء آخر؛ فالحوار يبني ويصل بنا إلى الحقيقة، أما التجاوز فلا يترك وراءه إلا جرحًا، ويبعث برسالة حزينة إلى كل من يفكر أن يخدم هذه الجمعية بإخلاص.
من يدفع الثمن؟
لن ينقص ما حدث من قدر إبراهيم يسرى شيئًا، فقد خرج كما دخل: مرفوع الرأس، نظيف اليد. لكن الثمن الحقيقي سيدفعه ستة آلاف عضو، كانت ملفاتهم تتحرك لأول مرة منذ سنوات، ومشروعات بدأت تعرف طريقها إلى الحل، وعمل مؤسسي كان يُبنى حجرًا فوق حجر.
الأغلبية التي لم تُسمَع
الأصوات التي علت بالأمس كانت قليلة، لكنها كانت الأعلى. أما داخل القاعة نفسها، فقد جلس كثيرون صامتين، تعلو وجوههم الدهشة والأسى، يعرفون الحقيقة في قلوبهم.. لكن أحدًا منهم لم ينهض ليقول لزملائه: كفى. لم يرتفع صوتٌ واحد يستنكر التجاوز، أو يقف إلى جوار رجلٍ وقف طويلًا إلى جوارهم. وكان ذلك الصمت، على نُبل أصحابه، أشدّ وقعًا عليه من كل ما قيل.
وخارج القاعة أغلبيةٌ أكبر بكثير: آلاف الأعضاء الذين لم يحضروا، ولم يشهدوا ما جرى، ولو سُئلوا لقالوا كلمة إنصاف في رجلٍ رأوا أثر عمله في ملفاتهم ومشروعاتهم.
مئة وستة أعضاء حضروا، من بين ستة آلاف. فهل يُعقل أن يُختصر صوت الآلاف في تجاوز لحظة؟ إن هذه الأغلبية، الحاضرة الصامتة والغائبة الكبيرة، هي الجمعية الحقيقية، وإليها نكتب، وبها نثق. وإليها نقول: إن فاتتكم كلمة الأمس، فلا تفوتكم كلمة اليوم؛ فكلمة إنصاف منكم الآن قد تعيد الحكاية إلى طريقها.
إلى الأستاذ إبراهيم يسرى
شكرًا لأنك حملت الأمانة حين تردد غيرك، وصبرت حين كان الصبر أصعب الطرق، وسلّمت انتخابات نزيهة رغم كل شيء. ما حدث بالأمس لن يمحو ما صنعت، ولن يُنقص من قدرك عند كل من عرفك وعمل معك.
وأملنا، نحن ومعنا آلاف الأعضاء، أن تعيد النظر في قرارك.. فالحكاية التي بدأتَها لم تكتمل بعد، والجمعية ما زالت تحتاجك.
الهيكل الإداري للجمعية التعاونية للبناء والإسكان للعاملين بالجهاز المركزي للمحاسبات


